محمد هادي معرفة
41
التمهيد في علوم القرآن
كلّما تذكّرها ، فيجدها حاضرة نفسه على مقاييسها الأولى . . تلك ظاهرة التذكّر ، فيا ترى أين محلّها الذي تقوم به ؟ وثانية نقول : الإنسان يجد صورة المنظر كلّما تذكّرها بنفس الأبعاد والمقاييس والحركات والألوان ، كأنّه يشاهدها الآن ، صورة طبق الواقع تماما ، إنّ هذه الصفحة التي تقع عليها هذه الصورة ، وتسمّى بصفحة الذهن صفحة ذات أبعاد توازي نفس أبعاد المنظر ، حسبما يجدها الإنسان حاضرة نفسه الآن . أين تقع هذه الصفحة المتّسعة ، من وجود الإنسان ؟ إنّ جزيئات المخ ، تنطبع عليها صور المحسوسات ، لكنها في غاية الصغر . لا تتناسب والأبعاد التي يجدها الإنسان عند التذكّر . إنّنا لا ننكر وجود جزيئات مخيّة تحتفظ في نفسها صور المشاهدات ، لكن ذلك وحده ليس إدراكا ولا تذكّرا لأنّ هذه الصّور موجودة ، وهي مستمرّة في وجودها حتى مع الغفلة ، وتتجلّى مع التذكّر وعند التفات النفس . وهو إدراك متجدّد للصورة بعد أن كان إدراكا لذات الصورة . لعلّك تقول ، إنّ تلك الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ قد تبدو للنفس وقد تخفى وبهذا تعلّل ظاهرتي « التذكّر » و « الغفلة » ! لكنّا نتساءل : إذا كانت هذه الصّور تبدو وتخفى ، فتجاه أيّ شيء تبدو ، وعن أيّ شيء تخفى ؟ وهذه المقابلة بين أيّ شيء وشيء ؟ وبعبارة أخرى : إنّ هذه الصّور تتجلّى . لكنها لمن تتجلّى ؟ ومن المواجه له ؟ لا شك أنّ المواجهة امر قائم بجانبين ، فإذا كانت الصّور المنطبعة تشكّل جانبا من هذه المواجهة ، فأين الجانب الآخر المواجه له ؟ نعم إنّ الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ تتجلّى أمام النفس ، فالنفس شيء ، وهذه الجزيئات شيء آخر فالنفس وهو وجود الإنسان الباطن هو الذي يشكّل الجانب الآخر من هذه المواجهة النفسيّة ، والنفس هي التي تدرك تلكم الصّور متى تذكّرتها ، وهو إدراك متجدّد وإن شئت فسمّه التذكّر .